تعريف التوحيد و الشرك
تعريف التوحيد وتعريف الشرك
نأتي الآن إلى التعريف الحقيقي ونتكلم عنه؛ لأنه يؤكد الأهمية الحقيقية، ويؤكد لماذا نبدأ دائماً بالتوحيد.
كما قلت قبل قليل: التوحيد: هو إفراد الله بما يختص به. وهو يشمل التوحيد بأنواعه الثلاثة: إفراد الله بالعبادة وبأفعال العباد، وهذا توحيد الألوهية، وإفراد الله بأفعاله، وهذا توحيد الربوبية، وإفراد الله بالأسماء والصفات، وهذا يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.
إذاً نقول: التوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يختص به.
وهذا التعريف يتبين من تعريف الشرك الذي يقابل التوحيد .. فإن التوحيد هو إفراد الله بما يختص به من أفعاله سبحانه وأفعال العباد وأسمائه وصفاته .. أما الشرك فهو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
وهذا تعريف دقيق جداً، وإذا عرفته عرفت التوحيد، ولهذا جاء في الحديث: {أعظم الذنب أن تجعل الله نداً وهو خلقك } نداً، أي: مساوياً لله تعالى فيما يختص به سبحانه.
صور من صرف العبادة لغير الله
لو أخذنا قضية الخوف، فإن الخوف نوع من أنواع العبادة، لكن الخوف نوعان: خوف جبلي، وهو ما وضعه الله عز وجل في النفوس، من أنها تخاف من أشياء في الدنيا، وهو خوف وضعه الله عز وجل في النفوس لنجاتها وسلامتها، ولتعيش في هذه الدنيا ما كتب الله عز وجل لها من أجل، فأنت تخاف من الأسد فتهرب منه، وتخاف من الظالم فتتقيه؛ إما بإعطائه وإما بالهروب منه، وتخاف ممن هو أقوى منك إما بمداراته وإما بالهروب منه … وهكذا.
إذاً: هذا خوف جبلي لا إشكال فيه ولا لوم، ولهذا قال الله عز وجل: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى [طه:67-68] فموسى لم يكن ملوماً في هذا الخوف، وقال الله عز وجل لموسى وهارون: لا تَخَافَا [طه:46] فهذا خوف جبلي، وكذلك إبراهيم أوجس من رسل الملائكة: قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:28] فهذا خوف جبلي ليس له علاقة بتوحيد إبراهيم عليه السلام، وهو صاحب الملة الحنيفية.
إذاً: هذا خوف لا إشكال فيه، فأنت تخاف من الأسد؛ لأنه أقوى منك، وتخاف ممن هو أقوى منك من بني آدم؛ إما لأنه أقوى منك في بدنه، وإما لأن معه سلاحاً لا تستطيع مقاومته، كأن يكون معه سكين أو رشاش أو مسدس أو سيف وأنت أعزل، فلا شك أنك ستخاف .. وهذا خوف جبلي وفطري، بل قد يكون أحياناً سبيل النجاة.
ولهذا قلنا: الشرك هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، والخوف الطبيعي ليس فيما هو من خصائص الله، إنما الذي من خصائص الله أن تخاف من إنسان أو من مخلوق خوفاً مما لا يقدر عليه إلا الله .. هذا هو الشرك، وذلك كأن تخاف من الغائب، أو من المقبور في قبره، أو تخاف من أشياء لا حقيقة لها، وتخافها أكثر من خوف الله، إما لأنها أصلاً ليس لها قدرة فتخافها، أو لها قدرة ولكنك تخافها أكثر من خوف الله عز وجل، وهذا أيضاً لا يجوز.
أيضاً: الحب، هناك أشياء محبوبات في الدنيا وضعها الله عز وجل لتقوم بها الحياة، فأنت تحب المال، وتحب أهلك وزوجك وأولادك، وتحب أشياء كثيرة، وهي محبوبات طبيعية جبلية، لكن إذا كانت أحب من الله عز وجل دخلت في دائرة الشرك، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ [التوبة:24].
إذاً: التوحيد هو إفراد الله بما يختص به، فلا تشرك معه غيره، كما أن الشرك هو: مساواة غير الله بالله فيما يختص به الله سبحانه وتعالى، إذاً فتبين لك بهذا أن التوحيد والشرك هما وجها عملة .. التوحيد: إفراد الله، والشرك: مساواة غير الله بالله.
من أسماء التوحيد
التوحيد له عدة أسماء، وسوف نذكرها لبيان أهميتها .. فهو الفقه الحقيقي، أو الفقه الأكبر .. وهو علم التوحيد وعلم العقيدة، وأحياناً يسمونه: علم الكلام، وهذا هو الذي أدخل اللبس على هذا العلم وأدخل الخوف، وهو الذي قد نشير إليه -إن شاء الله- في طريقة تعليم التوحيد، فإن الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء السابقين -رحمهم الله- أنهم فعلاً ما أحسنوا طريقة تعليم التوحيد حينما جعلوه علم كلام وجعلوه جدلاً، ودخلوا في قضايا لا تنفع العامة، وإنما صار دائراً في حلقة بين علماء خاصة، أو -إن صح التعبير- بين خاصة الخاصة، ولم يغنهم شيئاً.
بينما لو أخذوا بطريقة القرآن في عرض التوحيد وإثباته وبيان مكملاته وبيان ضده الذي هو الشرك، وكذلك توابع الشرك؛ لكان هذا أوضح من حيث البرهان والحجة، ومن حيث البيان والوضوح، ومن حيث التأثير والقبول، ومن حيث مخاطبة جميع الناس، سواء البدوي في باديته، والفلاح في مزرعته، والصانع في مصنعه، والعالم في درسه، والصغير في محضنه .. كل هؤلاء يخاطبون والقرآن قد خاطب الجميع.
لكن -مع الأسف- صار هناك نوع من عدم وضوح الطريق في طريقة التعليم عند المتقدمين، فسلكوا مسالك أهل الكلام، فما وصلوا إلى شيء، وإنما حصروه في دوائر بين علماء، ومع هذا لم يغن عنهم فتيلاً، والعامة أصبحت لا تعرف شيئاً، إلا بعض طرق صوفية ، ودخلوا في الخرافات، ودخلوا في الأشياء التي زادت الطين بلة، بل أوقعته في صور من الشرك الأكبر المخرج من الملة.
فالحقيقة أن التوحيد هو الفقه الأكبر، وهو علم العقيدة، ولهذا في قوله عز وجل: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة:122] فأول الفقه في الدين هو الفقه في التوحيد .. وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين } فأول مراحل التفقه وأعظمها هو التفقه في توحيد الله عز وجل.




جميع الحقوق محفوظة
التعليقات
أكتب تعليق