فتاوى السحر
أسئلة
سبل الوقاية من الشرك
السؤال: فضيلة الشيخ: إن أمر الشرك عظيم وخطير، لذا نريد أن تبين لنا سبل الوقاية من الوقوع فيه؟
الجواب: من أهم السبل: العلم؛ لأن أكثر الذين يقعون في الشرك هم الجهال، وقد سبقت الإشارة قبل قليل إلى أن طريق تعليم التوحيد فيها بعض الخلل خاصة عند المتقدمين رحمهم الله، فما كان ينبغي لهم أن يدخلوا في دقائق الجدل، ودقائق الأشياء، وإثبات الله عز وجل، وإثبات وجود الله، وفيما يتعلق بطرق التنزيه والتعطيل، وكلام خاصة الخاصة، ولم يصلوا فيه إلى شيء، بل كان ينبغي علهيم أن يعلموا الناس بطريقة القرآن، ولهذا فإن شيخنا وإمامنا الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أتى بأحسن الطرق وأجملها فيما يتعلق بطريقة تعليم التوحيد في الحقيقة، فإن الأصول الثلاثة و القواعد الأربع ، و كتاب التوحيد ، من أجمل ومن أيسر السبل في أن يعلم الناس التوحيد بهذه الطريقة، ولا مانع من أنها تطور، لكن المسلك الذي سلكه فيه تبسيط وتسهيل، وخطاب للناس بما يعيشونه، وهذا هو المهم.
يقول ابن حجر الهيتمي ، وهو شافعي معروف، وقد يكون له أشياء لا يوافق عليها، ولكنه قال كلاماً جميلاً، يقول: ينبغي منع من يشهر علم الكلام بين العامة؛ لقصور أفهامهم، ولأنه لا يؤمن أن يؤدي بهم إلى الزيغ والضلال، ولا بد من أخذ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه؛ إذ هو بين واضح يدرك ببداهة العقل، مع أن ابن حجر الهيتمي من الذين خاضوا في هذا، وله أمور لا يوافق عليها.
فالحقيقة أن طريقة القرآن في خطاب الناس وفي إثبات التوحيد والتحذير من الشرك، وقطع شجرة الشرك من نياط القلب، هي بطريقة القرآن، لكن أكثر ما يجنب الناس من الشرك هو العلم والتعليم والمحاضرات والدروس ووضع الرسائل الصغيرة، وخاصة فيما يتعلق بالسحر والكهانة والشعوذة، فإن هذه كلها نتيجة الخلل في التوحيد، وما أوقع الناس فيها إلا لخلل في التوحيد.
الحب والخوف
السؤال: فضيلة الشيخ: هل من أحبَّ شيئاً حباً مفرطاً يقع في الشرك، أو من خاف من شيء خوفاً شديداً يكون قد وقع في الشرك؟
الجواب: لا، إنما يقع في الشرك إذا كان يحبه كحب الله أو أعظم من حب الله، هذا هو الشرك، أن تحب الشيء كحب الله، أو أعظم من حب الله، أو أن تخاف الشيء كخوفك من الله أو أعظم، أما الخوف الجبلي فلا شيء فيه، نعم قد تخاف خوفاً عظيماً، فإن بعض الناس إذا خاف تخرج منه أشياء، فالخوف هذا جبلي وفطري، وبعض الناس يخاف من ظلام الليل، وبعض الناس يخاف من السباع، وبعض الناس يخاف من أشخاص، فالخوف الفطري ولو ظهرت فيه مظاهر من الرعدة ومن القلق فهي أشياء طبيعية جبلية، إنما المقياس والميزان ألا يخافه كخوف الله، وألا يحبه كحب الله، ولهذا قال عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قول الله: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98] قال: إن الناس ما سووهم في الخلق والرزق، وإنما سووهم في المحبة والتعظيم، وكذلك في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] أي: يعدلون بربهم غيره في التعظيم، وفي الحب وفي الخوف وفي الرجاء، لا في الخلق والرزق، بل أحياناً قد لا يعتقدون فيهم النفع والضر، ولكن يجعلونهم زلفى.
الطاعة والمعصية وارتباطهما بالتوحيد
السؤال: فضيلة الشيخ: من حقق التوحيد فإنه يكون أبعد الناس عن جميع المعاصي، ويكون أسرع الناس إلى طاعة ربه، هل من تعليق على هذا؟
الجواب: هذا صحيح، وهذا جانب آخر ينبغي العناية به، لكن الوقت لم يكن يتسع للقضايا التي تحفظ كمال التوحيد، وهي الطاعات، كما أن المعاصي تنقص كمال التوحيد، وهذا جانب مهم، ولعل المدخل الذي دخلناه حينما تكلمنا عن الصلاة والزكاة وارتباطها بالتوحيد له تعلق بهذا، لكن لا شك أن ما أشار إليه السائل مهم جداً، ولعله إن شاء الله يُعتنى به فيما يستقبل من الأيام، من حيث الربط بين الطاعة والتوحيد، والربط بين المعصية والشرك؛ لأن المعاصي بريد الشرك، وإن كانت الشبهات أكثر قدحاً في التوحيد من الشهوات.
سبل تحقيق التوحيد
السؤال: ما هو السبيل الصحيح إلى تحقيق التوحيد حقاًً ليكون من المؤمنين؟
الجواب: كما قلنا في سبل الحذر من الشرك أنه العلم، كذلك التوحيد تحقيقه يكون بالعلم، حيث يجب على الإنسان أن يتعلم ويسأل، وكذلك يجتهد في أداء الفرائض والإكثار من النوافل، فإن هذه تحمي التوحيد، وتجعل المسلم متعلقاً بربه .. على سبيل المثال: الأوراد، فلو أن الإنسان له عناية بالأوراد اليومية، وأذكار الصباح والمساء، فإن لها تأثيراً عجيباً في التعلق بالله عز وجل، وكذلك في الإيمان والطمأنينة والسكينة والربط بين الأسباب والتوكل، فإذا وفق العبد إلى أن يكون عنده أوراد، ويأتي بها وهو يعلم معناها لوجد خيراً كثيراً، وأذكار الصباح والمساء التي نبه عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأوصانا بها .. وإذا أوى الإنسان إلى فراشه، وإذا استيقظ من منامه، وإذا خرج من بيته، وإذا دخل المسجد، وإذا أصبح وإذا أمسى.
فمثلاً: سيد الاستغفار: {اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي } فلو تأملتم معناه وما فيه من توحيد وما فيه من خضوع لله عز وجل، وما فيه من إقرار بالذنب، وما فيه من رجاء المغفرة لوجدتم شيئاً عجيباً، لو أن الإنسان تمثل هذا وعرفه وأتى به واعتقده، لعاش محققاً للتوحيد، ولعاش قريباً من الله عز وجل، ولعاش في سكينة وطمأنينة .. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ومن تلك الأوراد: {أصبحنا وأصبح الملك لله الواحد القهار }.. { اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك، فلك الحمد ولك الشكر }.
{اللهم إني أسألك خير هذا اليوم، ورزقه وبركته وفتحه ونصره، وأعوذ بك من شره وشر ما بعده }.. { أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين محمد صلى الله عليه وسلم وملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } هذه كلها أذكار توحيد، بل غاية التوحيد.
وقد يكون هذا أيضاً فيه إجابة على السؤال الذي قبل هذا، فيما يتعلق بالنوافل، فالنوافل والأذكار حينما يأتي بها الإنسان على وجهها وعلى الطريقة المشروعة، ويتأمل معناها، ويتأمل ما يقول، فإنكم تحفظون شيئاً كثيراً من الأذكار، وقد تقرءونه وتجرونه على ألسنتكم، لكنكم لا تتأملون معناه.
ولا بأس أن نقف قليلاً عند هذا الذكر: {اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر } لو تأملت معناه، ورأيت ما يحتويه من معان، وما يحتويه من نقاء القلب، وما يحتويه من السلام ومن الارتباط بالله عز وجل، ومن توحيد الله وإجلاله؛ لوجدت أمراً عجيباً .. أولاً: الاعتراف بالنعم (ما أصبح بي من نعمة) فالنعمة التي فيك هي من الله عز وجل، ثم ما أصبح بخلق الله عز وجل أنت تعتقد أنه من الله عز وجل، ووالله لو أننا صادقون في تأمل أن ما أصاب الناس من نعم فهو منه سبحانه وتعالى، لذهب الحسد من قلوبنا؟
حينما تقول في الصباح: { ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك } فلو أن إنساناً رزق، أو ترقى، أو توظف، أو أي شيء حصل له، فأنت تقول: هذه من الله، ولا دخل لك في حصولها ولا في منعها.
إذاً: هذا هو التوحيد، وهو متعلق بالله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17] فهذا هو التوحيد، وهذا هو تحقيق التوحيد، أن يكون في قلبك، وأن ما تعرفه من أذكار وما تقوم به من شعائر، سواء فرائض أو نوافل، تتأملها وتعرف معناها وتعيشها .. تعيشها في سلوكك .. تعيشها في حياتك .. تعيشها حباً لله، وحباً لخلقه، وتعلقاً بالله سبحانه وتعالى، وعدم التعلق بخلقه، والرضى عن الناس، والرضى عن النفس، وهذا هو المقصود من التوحيد، وهذا هو غاية التوحيد في الدنيا والآخرة.
من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة
السؤال: ورد في الحديث الشريف أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، فهل يشمل الحديث أهل المعاصي والكبائر، أم أن الحديث يختص بالمؤمنين كاملي الإيمان فقط؟
الجواب: لا شك أن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، فلا بد أن يكون خالصاً من قلبه، فإذا قالها خالصاً من قلبه أصبح موحداً ولا شك، لكن المعاصي التي ارتكبها إن لم يتب منها فهو عرضة للعقاب، إن لم يتداركه الله برحمته، لكن مآله إلى الجنة، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة أن من مات على التوحيد، فمآله إلى الجنة، أما المعاصي والكبائر فهذه إلى الله عز وجل، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
الخلل في العقيدة والخلل في المنهج
السؤال: ما هو الفرق بين الخلل في التوحيد والعقيدة، والخلل في المنهج؟
الجواب: لا يبدو لي أن هناك فرقاً بين القضيتين، فإنه إذا لم يكن المنهج على التوحيد فهذا هو الخلل في المنهج، وإذا كان المنهج على التوحيد فانتهت القضية، فليس هناك شيء اسمه منهج وشيء آخر اسمه توحيد، وإذا لم يكن المنهج على التوحيد فلا يسمى منهجاً، هذا هو الخلل، فلا يتصور أن يكون هناك منهج وهناك توحيد، أو خلل في التوحيد وخلل في المنهج، بل إذا كان الخلل في المنهج يتعلق بالتوحيد، فهذا خلل في التوحيد، وإذا كان الخلل في التوحيد فهذا خلل في المنهج، وإذا لم يكن المنهج على التوحيد، فهذا هو الخلل بعينه.
من أتى بمكفر فإنه يكفر وإن نطق بالشهادة
السؤال: فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: {تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإن رأيتموهم فاقتلوهم } وبين الحديث الذي عاتب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أسامة بعد أن قتل أحد المشركين بعد أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال أسامة : إنما قالها خوفاً من القتل، فقال عليه الصلاة والسلام: {هلا شققت عن قلبه }؟
الجواب: لا يبدو أن هناك تعارضاً بين هذا وهذا، لأن نبينا محمداً صلى الله عليه و سلم جعلنا على المحجة البيضاء، وقضية معالم الدين ظاهرة فيما يتعلق بالتوحيد، وفيما يتعلق بالمكفرات، ولهذا عقد العلماء رحمهم الله باب الردة، وأحكام الردة والمرتد، و علي رضي الله عنه قاتل الخوارج ، و الخوارج فئات منهم من عبّد علياً وجعله إلهاً مع أنهم أهل عبادة، بمعنى أنه ليس مجرد قراءة القرآن، ومظاهر الصلاح من حيث الصلاة والخشوع تنفع الإنسان إذا أتى بمكفر، فهم يخرجون من الدين، وليس حكمنا على خروجهم من الدين بأشياء غير ظاهرة، بل إن من يكفر يكفر بأمر ظاهر، نحن لا نكفر بالنوايا ولا نكفر بالقلوب، فإذا أتى بمكفر ولو كان ظاهره الصلاح فإنه كافر، كأن استهزأ بالله أو بالرسول، أو أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، أو أشرك بالله عز وجل، أو جعل لله نداً، أو دعا غير الله، أو أشرك بالله، وإن صلى وصام، وإن أتى بالشعائر الإسلامية الظاهرة من الصلاة والزكاة، وإن قرأ القرآن، وكم من قارئ يقرأ القرآن وهو يلعنه، فإذا قرأ القرآن وأتى بمكفر، فهو كافر وإن قرأ القرآن إلا إذا تاب.
أما قضية أسامة رضي الله عنه فإن ذلك الرجل أتى بظاهر الإسلام، قال: لا إله إلا الله، فهو مسلم في الظاهر، أما قول أسامة رضي الله عنه: ما قالها إلا خوفاً من السيف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أشققت عن قلبه؟ } فالذين يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية قد أتوا بمكفر ظاهر، وهذا هو مسلك أهل السنة والجماعة .
حكم الذهاب إلى السحرة والمشعوذين
السؤال: فضيلة الشيخ: ما زال كثير من الناس إذا أصابته مصيبة (كأن فقد سيارته مثلاً) يذهب إلى المشعوذين والسحرة، فهل من كلمة حول هذا الخلل في التوحيد؟
الجواب: هذا هو الذي جعلنا نقول: إنه ينبغي بل يجب أن يتعاهد الناس بالحديث عن التوحيد، وتعليم التوحيد، وتحقيق التوحيد، والارتباط بالله عز وجل؛ لأن الذهاب إلى المشعوذين والذهاب إلى الكهنة والعرافين والسحرة، لا شك أنه خلل في المعتقد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد } وفي رواية: {فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً }.
فالقضية خطيرة وليست سهلة، ولهذا لا بد من تعليم الناس التوحيد تعليماً حقيقياً، والنظر في المناهج التي تعلم الناس، سوء ما يتعلق بالحلقات الخاصة، أو ما يتعلق بالمحاضرات العامة، أو ما يتعلق بكل المنتديات واللقاءات وغيرها.
جزى الله فضيلة الشيخ على ما قال، ونسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يتكرر مثل هذا اللقاء وأنتم على خير، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.




جميع الحقوق محفوظة
التعليقات