ماذا عن السحر في ديار الإسلام في عصرنا هذا ؟

إن الذي يتابع أخبار السحرة والمشعوذين في بلادنا العربية والإسلامية يجد أن الأمر لا يقلّ سوءاً عما يحدث في فرنسا وأمريكا وألمانيا وغيرها من البلدان ، وكان ينبغي أن لايجد السحرة لهم سوقا رائجة في ديار الإسلام التي يُحرِّم الدين فيها السحر ويعده إحدى الموبقات الكبار ، بل تُكفِّر من استعان بالشياطين وادعى علمه بالغيب
سنذكر لأخواننا المستمعين بعض ما نشر في الصحف والمجلات العربية وغيرها
فقد ورد في مصر في بحث استطلاعي فريد من نوعه حول ظاهرة الطب الروحاني أن في مصر ، بمحافظاتها الست وعشرون ، نحو ثلاثون ألف دجال يمارسون أعمال السحر والشعوذة وتحوّلوا من جهلة أميين الى أصحاب ملايين جنوها من ضحاياهم ، وحسب محاضر نيابات الآداب وشرطتها التي تلاحق هؤلاء
فقد حددت قائمة تضم أكبر عشرة دجالين يتحكمون بسوق الشعوذة والدجل في مصر ، من أبرز هؤلاء “رفاعي الباز ” المعروف بدجّال الفنانات ، والذي بلغت أرصدته في المصارف تسعة وعشرون مليون جنيه مصري إضافة الى سيارة مرسيدس وعقارات متفرقة في الضواحي الراقية ، أشهرها فيلا ” البارني ” الهرم ، حيث يقيم ويستقبل زبائنه من أهل الفن
وحدد الباحث الذي يدعى الدكتور محمد عبد العظيم ويحمل لقب باحث في شؤون ” الطب الروحاني ” حجم تجارة الشعوذة بنحو عشرة مليارات جنيه ، متضمنة ما يطلبه الدجالون من المرضى من مستحضرات وأدوات غريبة محلية وأحيانا مستوردة من الهند وباكستان ، وهذا رقم يزيد عن نصف حجم الاقتصاد السري في مصر والذي تقدره المصادر الاقتصادية بنحو 16 مليار جنيه
تحقيق حمدي رزق- القاهرة / جريدة المستقبل في عددها الصادر في 2 تموز 1999
أما في الكويت وحدها فقد نشرت جريدة القبس في عددها الصادر في 8 آذار 1979 خبر إلقاء رجال المباحث على مشعوذة تقوم بأعمال السحر والشعوذة كانت تتقاضى مقابل الجلسة الواحدة مع مرضاها مبلغ 20 دينار
قصة مؤثرة حصلت في أعماق الريف المصري ، شغلت مصر بأسرها في منتصف الثمانينات واهتمت بها الصحف وأصبحت مادة صحفية تتناولها صحافة مصر بأثرها . وهي حادثة الزوجة التي ظلّت بكراً تسعة عشر عاما
تبدأ القصة في إحدى قرى الدلتا عندما فشل عامل النسيج أن يمارس حقوقه الزوجية طوال تسعة عشر عاما بسبب ما كان يعتريه من إغماء وتصبب عرق عندما كان يقترب من زوجته ، وهو ما يسمى بمفهوم السحر الربط
واللافت في القصة أن الزوجة وهي ابنة عمه صبرت وتحملت معه ما لم يتحمله أحد ، وعاشت معه كل تلك السنوات لأنها تعتبره حبها الأول والأخير ، وفي أحد الأيام انكشف اللغز ، وذلك عندما قال له أحد أصدقائه الذي يعمل معه في المصنع أنه يعلم بحالته تلك . فتعجب الزوج وألحّ عليه بأن يخبره من أين عرف ذلك السرّ ، فأخبره بأنه هو الذي سبب له هذا السحر عندما قام بربطه على يد أحد من يمارسون السحر الأسود ، والسبب في ذلك أنه كان يريد أن يخطب زوجته إلا أنها رفضته وفضّلت عليه صديقه وابن عمها فاشتعلت نيران الغيظ والحقد والحسد في قلبه فقام بربطه ، وعندما استحلفه أن يفك السحر وبأي ثمن ، استجاب لطلبه
وبالفعل نبش بجوار أحد السواقي المهجورة مستخرجاً سكيناً ( قرن الغزال) مقفولة وقام بفتحها وفك الربط ، فأخذها ذلك الزوج وانطلق الى زوجته
ونجح في أن يمارس معها حقوقه الزوجية بعد تسعة عشر عاماً ، ماذا فعل بعد ذلك رجع إلى صديقه وأسكن السكينة نفسها في قلبه بطعنة واحدة فقتل في الحال . وعندما أحيل إلى النيابة اكتشف الطب الشرعي أن زوجة القاتل بالفعل لم تنفض بكارتها إلا منذ أيام قليلة ، فقررت المحكمة على أثرها تخفيف الحكم إلى السجن مدة خمس سنوات مراعاة لظروف ما حدث له نشر في مجلة الأميرة العدد الخامس أيلول ـ ت1 /2000م
وفي عدد القبس المنشور بتاريخ 21 ( يونيو) تموز 1979 خبر إدانة محكمة الجنح لمشعوذة تدعى ” سكينة ” بتهمة النصب والاحتيال وممارسة السحر والشعوذة ، وكانت تحصل على 45 الى 50 ديناراً مقابل الجلسة الواحدة
وفي 25 يوليو 1979 نشرت جريدة القبس حديثاً للسيد عبد الكريم جعفر مدير مكتب وزارة الصحة في دولة الكويت يحذر فيه المرضى الكويتيين من مشعوذة يرحل إليها بعضهم للمداواة والعلاج ، وهذه المشعوذة من الأردن تدعى ( مدللة ) وقد ذكر مدير مكتب الوزير في حديثه أنه سافر بتكليف من وزير الصحة إلى الأردن للإطلاع على ما تقوم به ، والذي تبين أنها تستقبل في كل يوم 30 مريضا تقريبا ، ولكنه لم يثبت أن مريضا واحدا تم شفاؤه على يديها . عالم السحر والشعوذة 66-67
سحر وشعوذة بين زوجين
وفي رأس الخيمة بتت المحكمة لأول مرّة في الإمارات ، في قضية سحر وشعوذة بين زوج إماراتي وطليقته، وبعد سبعة شهور من الجلسات والمداولات في قضية هي الأغرب من نوعها ، لصعوبة ثبوت الأدلة في الإيذاء كما يصرح المحامي ابراهيم حسن الملّا في القضية فيقول :” لعلها المرة الأولى التي أتولى فيها قضية سحر وشعوذة بين الزوجين أدّت الى الإيذاء الجسدي والنفسي ، ولكن اعتراف المطلقة المدَّعى عليها أمام النيابة والشرطة بأنها مارست أعمال السحر والكتابة هو الذي سهل قضية الادعاء عليها ، فقضت المحكمة بحبس المتهمة ” الساحرة لزوجها ” أربعة شهور تعزيراً لها ، أما الزوج فبقي يطالب المعنيين أن يتم فك السحر عنه .( زهرة الخليج عدد 30 ) 8 نيسان 2000
كتاب القانون لآليستر كراولي
قام آليستر كراولي بكتابة هذا المؤلف في القاهرة عام 1904 ويحوي على 3 فصول وحسب كراولي فإن كل فصل تم كتابته في ساعة واحدة. زعم كراولي أن الشخص أو الشيء أو المخلوق الذي أملى عليه الكتاب كان “نفسه الخفية” وكان اسمه أيواس. يسمى التعاليم الموجودة في الكتاب باسم ثيليما ويمكن إيجازها بهذه المبادئ:
- إدراك النفس الحقيقية والإرادة الفريدة لشخص ما كفيل “بالاتحاد مع الكل”
- يمكن الوصول لهذا الإدراك بواسطة بعض الطقوس.
- من هذه الطقوس: اليوغا، استحضار الأرواح، طقس العشاء الأخير للمسيح، قراءة كتاب الكبالاه الذي يعتبر روح التوراة، قراءة الطالع، التنجيم
- فهم رموز شجرة الحياة التي هي عبارة عن أعداد أو أرقام متصلة ببعضها عن طريق 22 ارتباط خطي، الأعداد تمثل الكواكب وخطوط الارتباط هي رموز الأبجدية العبرية والتي تقسم بدورها إلى سبعة كواكب و12برجا.
إتباع هذه المبادئ سوف يؤدي حسب معتقدات أتباع ثيليما إلى حالة التيقظ الشبيهة بالنيرفانا في البوذية واكتشاف النفس الخفية. “النفس الخفية” بإمكانها مغادرة الجسد والانتقال عبر الأثير وعبور “بحيرة الفراغ” وهي أساس السحر والهدف الرئيسي من الممارسات المذكورة أعلاه حيث أن بإمكان هذه النفس الخفية أو مايسمى أيضًا من قبل كراولي “الجسد الضوئي” إنجاز أعمال تخرق قوانين الفيزياء مثل إزالة قوى غير مرغوبة وتحضيرأرواح[16].
من الجدير بالذكر أن كراولي البريطاني المولد كان يلقب من قبل الصحافة “الرجل الشرير” وتم طرده من إيطاليا عندما حاول أن يشكل تنظيمه الخاص ومات مفلسا نتيجة التهاب الرئتين وإدمانه على الأفيون.
السحر والأديان

حرم الدين الإسلامي السحر والشعوذة ويعد الساحر كافرا ومن أتاه وصدقه. من جهة أخرى كان الاعتقاد بدور السحر كعامل في التأثير على الطبيعة وما وراء الطبيعة سائدا في معظم الديانات التي كانت سائدة قبل الديانات التوحيدية وخاصة في الديانة الزرادشتية التي كانت عاملا مهما في الاعتقاد بوجود كينونة الشر التي هي في صراع أزلي مع كينونة الخير ويعتقد أن كلمة السحر بالإنجليزية Magic قد أتت من أفراد قبيلة ماجاي الميديةالذين كانوا رجال الدين الرئيسيين في الديانة الزردشتية. ويرجع بعض المؤرخين جذور السحر في إطار ديني إلى فترة العصر الحجري الحديث حيث كان الانتقال من حياة التنقل إلى حياة الزراعة والاستقرار دور في تحول رئيس القبيلة إلى ملك والمؤمن بالخرافات والأساطير والعلوم الخفية إلى كاهن كان مهمته نقل تعليمات الإله إلى المجتمع.
كانت الوسيلة الرئيسية للسحر في المعتقد الديني هي التعويذة والتي كانت عبارة عن كلمات أو كتابات مخلوطة بمواد خاصة يقوم بتحضيرها الرجل الديني في طقوس خاصة وكان هدف التعويذة يتراوح من تغيير للمستقبل إلى السيطرة على شخص ما أو عامل ما وكانت هذه التعاويذ عادة ما تتم تحت مزاعم استحضار قوى إلهية وغالبا ما كانت التعويذة تتم على مراحل منها:
- التحضير بأيام قبل طقوس التعويذة بالصوم أو الصلاة
- تهيئة جو خاص بالطقوس باستعمال روائح خاصة أو مواد معينة وكان أتباع دين معين يعتقدون باحتوائها على قوى خارقة.
- طقوس استحضار القوى الخارقة أو الإلهية التي كانت تختلف باختلاف الدين المتبع.
- إلقاء التعويذة
- تقديم القرابين
هناك إجماع على أن مفهوم السحر في الديانات القديمة كانت نابعة من عدم إدراك الإنسان لقوى الطبيعة وعدم وجود تحليل علمي لظواهر كانت تعتبر غامضة للإنسان القديم. بصورة عامة كان استعمال السحر من منطلق ديني نابعا من إيمان صاحب الدين بقدرة الإله في تغير حياته ومصيره وكانت الطقوس السحرية من هذا المنظور دعاء الشخص للإله بالتدخل. ويمكن ملاحظة هذا في تشابه إلى نوع ما لفكرة الدعاء والصلاة وتقديم القرابين في ديانات متعددة لا تزال تمارس لحد هذا اليوم حيث إن فكرة طلب المساعدة من الخالق الأعظم هي نفس الفكرة القديمة ولكنها أكثر عمقا وفلسفية من الديانات البدائية.
هناك بعض الآثار القديمة تشير إلى استعمال السحر من منظور ديني لدى الإنسان القديم وتشير بعض الرسومات القديمة في كهوف فرنسا إلى استعمال السحر للمساعدة في عملية الصيد وتم العثور على آثار مماثلة لدى قدماء المصريين والبابليين واستنادا إلى مارغريت موري (1863 – 1963) المتخصصة في العلوم المصرية القديمة فإن كل طقوس السحر والشعوذة يمكن اقتفاء آثارها إلى طقوس دينية قديمة لديانات كانت تعبد الظواهر الطبيعة وإن بعض التعويذات التي كانت تستعمل في أوروبا في القرون الوسطى مشابهة إلى حد كبير لكتابات هيروغليفية عمرها 2500 سنة على أقل تقدير وإن فكرة تقديم القرابين للـإله ترجع إلى العصر الحجري حيث تم العثور على منصة ذبح القرابين في العديد من الكهوف القديمة في أوروبا.
السحر عبر العصور
عرف الإنسان السحر منذ القدم وهناك كتابات تتحدث عن السحر في قصائد هوميروس وكتابات قدماء المصريين التي تركزت على استعمال ورق البردي في السحر وكتابات بلاد فارس القديمة وخاصة كتابات رجال دينالزرادشتية الذي يعتقد أن كلمة السحر بالإنجليزية Magic قد أتت من أفراد قبيلة ماجاي الميدية الذين كانوا رجال الدين الرئيسيين في الديانة الزردشتية. هناك نقاط تشابه حول الكتابات القديمة حول السحر منها على سبيل المثال:
- استعمال ما يسمى الكلمات السحرية وهي كلمات يعتقد البعض إنها قادرة على تطويع وتوجيه الأرواح.
- استعمال آلات موسيقية بدائية مصنوعة من الخشب وإحداث أصوات متناغمة نوعا ما أثناء الطقوس.
- استعمال رموز وكتابات وشيفرات غامضة لغرض استحضار الأرواح.
- استعمال وسيط بين القوى الخفية والسحرة وكان الوسيط في العادة أشخاص كانوا يزعمون القدرة على استقبال رسائل من القوى الغير مرئية.
في العصور الوسطى قام ألبرت الكبير (1206 – 1280) Albertus Magnus بجمع عدد كبير من التعويذات السحرية ومن الجدير بالذكر إن ألبرت لم يكن ساحرا بل كان رجل دين مسيحي مهتم بعلم الخيمياء وكان غرضه الرئيسي هو البحث العلمي.
مع بداية عصر النهضة والثورة الصناعية حل التفسير العلمي محل الخرافات والأساطير. قام الكيميائي البروسي كارل رايخنباخ (1788 – 1869) في عام 1850 بتجربة على البرافين و الفينول لغرض معرفة ما اسماه بالقوة الغريبة أو القوة الغامضة لبعض المواد التي استعملت في السابق من قبل السحرة في طقوسهم واستخلص إلى نتيجة أن هناك “تدفق” إيجابي وسلبي في المادتين وقدم نظريته بان هناك استعمالات أخرى غير معلومة للمواد بجانب الاستعمالات المعلومة ولكن نظريته لم تلق قبولا من قبل علماء عصره
في القرن التاسع عشر ومع موجة الاستعمار الأوروبي للشرق تعرف العالم الغربي عن كثب على أساطير الشرق الغامضة وخاصة في الهند ومصر وبدأ ولع جديد بالسحر وطقوسه وتشكلت جماعات منظمة تحاول دراسة السحر وفي عام 1951 تم إلغاء قانون منع الشعوذة في بريطانيا والذي كان ساري المفعول منذ عام 1401 وتم تأسيس جماعة ويكا التي لاقت أفكارها قبولا عند Hippie الهيبيين
السحر من وجهة نظر العلم

السحر من وجهة نظر العلــم
هناك قياسات علمية متفقة عليها لتحديد فيما إذا كانت ظاهرة أو طريقة أو تحليل أو اعتقاد معين يمكن تصنيفه كعلم حقيقي أم لا وإذا لم يتم تجاوز بعض الاختبارات فإنها ستنتهي إلى تصنيف يسمى العلوم الكاذبة. بعض من القياسات المتفقة عليها ويجب توفرها في العلم الحقيقي هي التالية:
- القدرة على الحصول على نفس النتائج أو نتائج متقاربة عند إجراء اختبار معين مرات عديدة وإذا لم يتم الحصول على نتائج متقاربة عند تكرار عملية أو خطوة ما فإن الطريقة أو الظاهرة تعتبر غير علمية على سبيل المثال اختبار تعويذة معينة على عدد من الأشخاص المتطابقين في العمر والجنس والحالة الاجتماعية والثقافية لرؤية فيما إذا كانت التعويذة لها نفس التأثير.
- القدرة على حصول تأثير مع توفر شرط عدم معرفة الأشخاص المشتركين بالتجربة فيما إذا قد تعرضوا للمادة الحقيقية أو مادة وهمية شبيهة بالشكل للمادة الأصلية ولتوضيح هذه النقطة يقسم المتطوعون للتجربة إلى نصفين متشابهين قدر الإمكان من ناحية العمر والثقافة ونواحي أخرى بحيث يكون تعاطيهم للمادة الحقيقية أو المادة الوهمية الفرق الرئيسي بين المجموعتين. على سبيل المثال إذا تم التوصل إلى معرفة فيما إذا كانت تعويذة معينة ذات فعالية حقيقية فإنه يصمم نوعين من التعويذات إحداهما مصمم من قبل شخص يدعي السحر والأخر شبيه بالظاهر للأولى ولكنها ليست حقيقية ويتم توزيعها على مجموعتي الاختبار الذين لايعرفون فيما إذا تلقوا التعويذة الحقيقية أو الوهمية وبعد فترة مراقبة يتم معرفة فيما إذا كان هناك فرق حقيقي وملموس بين تأثير الحقيقي والوهمي.
الغاية الرئيسية في هذه التجارب هو معرفة احتمال دور عامل الصدفة أو عوامل نفسية أو اجتماعية أو أي عامل آخر في حدوث التأثير الملاحظ. ومعظم مدعوا السحر أو الباراسايكولوجي يفشلون أمام هذه الاختبارات.
جميع الحقوق محفوظة